الرئيسية » المقالات

مبادرة آهالي (النغيلة) أُنموذجاً في التكافل الإجتماعي

لن أجعل من نفسي واعظاً عن الصدقة فجميعنا لديه الدراية الكافية؛ عن معنى الصدقة ويدرك فضلها ويعي أجرها وأثرها؛ ولكن من باب التكافل الاجتماعي وفعل الخير؛ الذي هو سمة من سمات هذا المجتمع السعودي الطيب؛ وهو أيضاً واحد من ثوابت هذا الدين العظيم؛ الذي حثنا على التراحم والتكاتف وتفقد أحوال بعضنا البعض؛ ونحن ولله الحمد كنا ولا زلنا في هذا الوطن الطيب مجتمع تكافلي بإمتياز؛ جُبل على حب الخير والبذل والإنفاق؛ وبما أننا كذلك مجتمع معطاء وأهل صدقة وإحسان؛ فأرى من الواجب على كل محسن ومتصدق أن ينطلق بصدقته من القاعدة القرآنية (الأقربون أولى بالمعروف) فيا حبذا أن تكون هذه الآية دائماً هي مرتكزنا الأساسي عندما ننوي الصدقة؛ فهي قاعدة تكافلية تضامنية حددت أولويات الصدقة؛ بحيث يبدأ المتصدق بالبحث والتحري لصدقته في الدائرة الأصغر؛ وهي قرابته ومن في حكمهم؛ ثم تتسع الدائرة لتشمل الفقراء والمساكين في قريته أو بلدته ثم تتسع أكثر… وهكذا؛ وفي الواقع لو فعّلنا هذه القاعدة التكافلية؛ لما وجدنا في محيطنا محتاجا واحداً؛ والإيجابية الأخرى سنضمن وصول صدقاتنا لمستحقيها؛ وستطمئن أنفسنا عندما تقع في موقعها الصحيح؛ والحقيقة التي لا تقبل الجدل ولا الشك؛ تقول هناك في كل ديرة وفي كل قرية وكل قبيلة؛ أُسَرٌ وأفراد محتاجون متعففون ونحن في محيطهم نحسبهم بجهّلنا أغنياء من التعفف؛ ولأنهم كذلك كان من الواجب أن نستشعر حق هؤلاء علينا؛ ثم نجتهد في البحث والتفتيش عنهم؛ فحتماً لن نجد كثير عناء للوصول إليهم ثم تلمس حاجتهم؛ ولو تم هذا الاستقصاء المجتمعي ما كُنّا سنتجاوز فقرائنا بصدقاتنا ولا زكاواتنا؛ وما كانت أيدى العون ستمتد إلا لهم قبل غيرهم؛ ممن نجهل أحوالهم في عالم المتسولين.

ومن خلال هذا المقال أحببت أن أنقل لكم تجربة مجتمعية تكافلية حية؛ نجحت وبكل المقاييس نجاحاً باهراً؛ هذه التجربة الخيرية والإنسانية الفريدة من نوعها؛ خاضها آهالي (النغيلة) في شهر رمضان المبارك العام الماضي؛ طبعاً هذه التجربة العصرية؛ بدأت بفكرة طرحتها في قروب للجماعة؛ وطالبت الجميع بأن نتحمل مسئوليتنا الدينية والمجتمعية والأخلاقية؛ اتجاه فقراءنا والمحتاجين في قريتنا؛ مستلهمين هذا النهج من صاحب المبادرات الإنسانية والخيرية والداعم لها والحاث عليها؛ سمو الأمير تركي بن طلال أمير منطقة عسير؛ الذي صدرت توجيهاته لمشايخ ونواب وآهالي منطقة عسير بشكل عام؛ لضرورة تعزيز التكاتف المجتمعي لإحداث مجتمع متراحم؛ خدمةً لفقرائنا ومحتاجيننا الذين نحن أولى بهم ديانةً؛ قبل أن تكون مسئولية اي جهة حكومية آخرى؛ الفكرة تقوم على تفقد الأسر المحتاجة من أهل الديرة؛ ثم حصرها وحصر احتياجاتها؛ ثم يطرح ما يتم التوصل إليه في القروب لمناقشة الآلية المناسبة لمساعدة هؤلاء؛ الحقيقة وجدت الفكرة التجاوب المطلوب واستحسان الجميع؛ وبدأنا بتكوين لجنة متطوعة من الثقات والمتحمسين للفكرة وعمل الخير؛ وبدأت اللجنة عملها بإستقصاء ورصد دقيق للمحتاجين من أهل القرية؛ عادت اللجنة وفي تقريرها عدد كبير من الأسر المحتاجة؛ وقد حصرت احتياجاتهم التي كانت جميعها احتياجات أساسية وضرورية؛ المؤلم هنا أن هذه الأسر المتعففة تعيش بين ظهرانينا سنوات طويلة لم نعلم عنهم شيئآ؛ واجزم أن الوضع هو كذلك في جميع القرى من حولنا؛ هذه الطريقة أبرزت العدد والاحتياج الحقيقي للأسر المحتاجة؛ وقد حدِّدت اللجنة المبلغ المستحق لكل أسرة حسب مشاهدتها المباشرة لواقعها؛ ثم طُرحت تفاصيل أحوال واحتياج كل حالة على حِده أمام الجميع دون ذكر أسم الأسرة؛ ثم بدأ المتبرعون بسداد المبلغ المحدد؛ واللجنة دورها تنسيقي ووسيط بين المتبرعين والأسرة المحتاجة؛ وعندما يغطي المتبرعون مبلغ هذه الحاله؛ تعلن اللجنة انتهاء الحالة الأولى ثم تنتقل للحالة التي بعدها… وهكذا حتى اكتملت الحالات؛ والحمدلله كان هناك تفاعلاً كبيراً مثلجاً للصدر وتنافس محموم لكسب الأجر؛ وقد تجاوزت مبالغ التبرعات والصدقات أكثر من ١٥٠ألف ريال في بضع ليالي؛ وهناك آلية يطول شرحها في كيفية جمع المبالغ ثم توفير ما تحتاجة كل أسرة؛ وجميعها إجراءات نظامية وقانونية واضحة؛ ومن أراد التفاصيل والاستزادة يتواصل معي..

عموماً..مثل هذه المبادرات الطيبة سيعود نفعها على فقرائنا ومحتاجيننا؛ وآهالي (النغيلة) قدموا نموذجاً خيرياً في قالب حضاري قابل للتطبيق؛ ونحن هنا ندعو المجتمع البيشي وغيرهم ممن سيطلع على تفاصيل هذه التجربة الثرية؛ التي تستحق الإطلاع والتأمل والتبني؛ أن يستفيدوا من هذه التجربة الخيرية ويستثمروها لصالح فقرائهم؛ وهنا تقع المسئولية على مشايخ القبائل ونوابها وعمداء الأسر؛ الذين أرجو أن يتبنوها ويُفعّلونها في مجتمعاتهم وفي محيطهم؛ وهذا بلا شك هو المقصد من استعراض هذه التجربة ووضعها بين أيديكم؛ فهو من باب نشر قيم التكافل ونفع الناس وتحقيق العدالة الاجتماعية في اجمل صورها؛ ونحن مقبلون على شهر فضيل وخير البر عاجله؛ فنكون بذلك قد كسبنا أجر الصدقة وأجر الصلة معاً؛ والدال على الخير كفاعله..

القاكم في مبادرة خيرية آخرى..
سيف بن مبارك الهرش..
كاتب جريدة اليوم..

1 تعليق

  1. 1
    بندر بن عبدالله | بتاريخ : 10 أبريل 2021

    جزاك الله خير يابو مبارك جهود تذكر فتشكر وعسى ان تكون هذا المبادره بداية خير لأهل المنطقه

    (0) (0)

تعليقك


  • المشاهدات : 4971
  • التعليقات : 1
  • الإرسالات : 1
  • أضف إلى مفضلتك
  • سيف الهرش
    سيف الهرش