الرئيسية » المقالات

وزارة الهدر للزراعة والمياه !!

تتميز القلاع قديما بشكل عام في الجزيرة العربية بتصميم يختلف عن نظيراتها في بقية أنحاء العالم, فالقلاع لم تكن تهدف إلا لهدف واحد هو حماية الأنفس التي تتحصن بها ينما بقية القلاع خارج الجزيرة كانت غالبا تسعى لحماية النفس والمال والأرض.
في وادي بيشة كان هناك العديد من القلاع المتقاربة نسبيا وذلك لأن ديموغرافية الوادي تحتوي على أعراق متعددة استوطنته وضربت انتمائها له في أطنابه. فترى كل قلعة تكاد تختفي وسط مئات أشجار النخيل لا يجاورها إلا قلعة أخرى لقبيلة مجاورة.
ومما كان يحكيه الرحالة الفرنسي تاميزيه الذي زار بيشة قبل مئتي عام تقريبا عن هذه القلاع أنه زار إحداها فلاحظ أن تركيبة القلعة اختلفت عما تعود على رؤيته في بقية القلاع التي مر بها شمالا حينما كان يرافق الجيش العثماني الغازي. فذكر في وصفها أن أهل تلك القلعة استبدلوا أماكن الأسلحة بأدوات الزراعة في دلالة لأول تعريف لأهل ذلك الوادي بارتباطهم بالزراعة بشكل أساسي.
لم يكتف الطبيب الفرنسي بهذا الوصف بل وسرد في كتابه أن الجيش العثماني حاصر إحدى القلاع لأسابيع طويلة دون أن يستسلم له أهلها وبعد محاولات بائسة استدعى الضابط التركي أهل القلعة ليروا كيف عمد لقطع النخيل خارج القلعة واحدة تلو الأخرى فكانت نقطة قوة أهل بيشة هي نقطة ضعفهم في الحروب فاستسلموا وقائدها يرثي نخيله التي شبهها بأولاده.
عشرات القصص المتواترة من رحالة وزائرين عبر عشرات السنين يروون شبيهات هذه القصص والتي تربط اسم بيشة وساكنيها بنخيلها ومائها ونباتها.
قبل عشرين عاما استبشر الناس فرحا بافتتاح أضخم سد في المملكة والذي رأى فيه الأهالي عموما والمزارعين خصوصا ضمانا بعد الله عز وجل لأن تدوم زراعتهم وتتوسع.
كانت تحليلات الفاهمين ببواطن الأمور (أو هكذا كنا نعتقد) أن فائدة السد هي حجب المياه لتستفيد منها الآبار الجوفية فتعود المياه عبر الأرض ولكن وحده الزمن (وليس الفاهمين ببواطن الأمور) أثبت لنا أن جميع هذه المياه لم تكن أساسا على عروق أرضية تعود مرة أخرى لباطن أرض بيشة!
عشرون عاما مر من خلالها عشرات الوزراء ووكلاؤهم ومديرو إداراتهم في الزراعة وفي المياه ولم يحرك أحدهم ساكنا أو يشاهد على الأقل المنظر الساخر .. نخلة تموت عطشا على بعد عدة أمتار من أكبر تجمع مائي في المملكة!
نهر مائي شبه عذب بطول ٢٢ كيلوا مترا وبملايين الأطنان ومع ذلك في خلال عشرين عاما مات ما يقارب ٧٠٪ من مزارع بيشة عطشا!
كانت الغلطة المفصلية التي وقعت فيها الوزارات هي أنها اعتبرت السد هدفا انتهى بانتهاء بنائه بينما في الحقيقة لم يكن السد إلا مرحلة أولى تتطلب مرحلتين على الأقل.
ما الذي كان سيحدث لو خصصت الوزارة (حفنة) ملايين بسيطة ثم أقامت مشروع ري على ضفاف هذا الوادي ثم أرسلت أنابيبه لقرى بيشة!
ببساطة سيكون أكبر مشروع زراعي مر على تاريخ المملكة وستكون نتيجته تصدير دولي وليس محلي وحسب.
القصيم والأحساء والمدينة ونجران ووادي الدواسر هي مناطق زراعية لكنها لا تملك أهم ما تملكه بيشة وهو النهر المائي الذي يزيد مخزونه سنويا ملايين الأطنان ومع ذلك هم أغزر انتاجا ..
منظر آخر مثير للسخرية لا يشابهه إلا منظر النخلة التي ماتت عطشا على ضفاف الماء!
ما الذي سيحدث مثلا لو أن الوزارة خصصت حفنة أخرى من الملايين وأقامت مشروع تحلية أو معالجة رباعية للوادي لتتخلص منن منظر ثالث مثير للسخرية وهو أن مياه التحلية وصلت للجهات الأربعة المحيطة ببيشة حتى حينما كاد أن يصل لبيشة توقف نقله بمسافة ٩٠ كيلو.. والتي تقبع على أكبر نهر مائي بالمملكة!
ولكن عوضا عن ذلك قررت الوزارة إنفاق ملايين (ليست حفنة) ثم تمخض فكرها أن تصرف هذه الملايين في إحضار مياه صرف تبعد ٣٠٠ كيلو مترا عن بيشة لتصبها في الوادي , في تصرف لا يقبله منطق ولا عقل ولا فكر بل وبدون تفسير واضح له حتى الساعة إلا أنه لم يعجبها أن يكون الوادي شبه عذب يستفاد منه بل ملوثا وخطيرا كمشهد رابع مثير للسخرية.
آخر إبر الوزارة المسكنة هي فك السد وهو قرار حتمي لا مناص منه ولكنه ليس حلا لأي من مشاكل بيشة المائية والزراعية والبيئية بل الحل هو الاستفادة العلمية الصحية من الوادي عبر تنصيب مشاريع حيوية عليه وليس فكه ليتسلى أطفال المزارعين بالخوض فيه!
مما حثت عليه القيادة حفظها الله الاستفادة من جميع الموارد لترفع من اقتصاد الدولة وهذا ما أكدته رؤية ٢٠٣٠ خصوصا إذا كانت هذه الموارد مؤقته .. فإما يستفاد منها أو سيبخرها لهيب الشمس.
ما يحدث على ضفاف الوادي هو هدر لأغلى مادة خلقها الله للإنسان مادة لو تمت الاستفادة منها بشكل جدي لتم توليد الطاقة منها ورفع الاقتصاد الزراعي بالمملكة وتخليص كاهل الدولة من حمل شح موارد المياه.

مشاري بن علي الصعيري

تعليقك


  • المشاهدات : 3915
  • التعليقات : 0
  • الإرسالات : 0
  • أضف إلى مفضلتك
  • مشاري الصعيري
    مشاري الصعيري