الرئيسية » المقالات

اللهم زد وبارك .. وحبِّبْ المدارس !!

” نظر رجلٌ إلى قوم يستسقون ومعهم صبيان فقال : ما هؤلاء ؟ فقيل : نرجُو بهم الإجابة ، فقال : لو كان دعاؤهم مُجابًا لما بقي في الأرض مُعلّم ” . ( البصائر والذخائر : 5 ̸ 42 )
” وقال بعض المؤدّبين : حضرتُ لتعليم المعتزّ وهو صغير فقلتُ له : بأي شيء نبدأ اليوم ؟ قال : بالانصراف ” . ( التذكرة الحمدونية : 9 ̸ 414 )
وهاتان الروايتان ــ على ما فيهما من طرافة ــ قد تشيران إلى أنّ النفور من التعلّم وكراهية المدرسة قضية أزلية قديمة قدم البشرية .
الجهلُ صِـنْـوُ الدّاء ، والتعلّم والدّواء صِنوان ، فللتعلّم مرارةٌ يصبر عليها من رام الدواء ؛ وتأمّل قول الإمام العالم الشافعي رحمه الله :
ومَنْ لم يَذُقْ مُرَّ التّعلّم ساعةً *** تجرَّع ذلّ الجهل طول حياتهِ
بيد أنّ النفوس الشريفة إذا تربّت على الجديّة ، تحوّلت هذه المرارة في نفوسها إلى حلاوة ، وذاقت ما يطعمهُ الكسالى حنظلاً ذاقتهُ شهْدًا ماذيٍّا ،فتتألّفُ التّعلّم ، وتتعلّقُ به ، بل تهيم بل تهيم ، وأحسنَ والله غاية الإحسان الأديب الحريري حينما عبّر عن هذا الشّغف بالعلم والفهم في إحدى ” مقاماته ” فقال :
” فهِـمْـنا ، حينَ فَـهِـمْـنا ” . ( 1 )
لمَ يكرهُ طلبتنا مدارسهم ؟ لم يجرجرون أقدامهم إليها كأنّما يساقون إلى الموت ؟ ألسبب في أنفسهم ، من دعة وخمول وعدم جديّة ؟ أم كرهًا ونفورًا من معلميهم ؟ أم لسوء بيئة مدارسهم ؟
لا ريب أنّ حال طلبة اليوم ليس كحال طلبة الأمس ، في حبّ العلم ، والحرص عليه ، والجديّة في أخذه . ولا شكّ أنّ مدارسنا ــ وعلى ما تبذله حكومتنا المباركة ــ لا زالت تحتاج إلى مزيد رعاية مدروسة لتصبح بيئاتٍ جاذبة .
ولكني أرى ـ والعلم عند الله تعالى ـ أن السبب الرئيس لكراهية الطلبة مدارسهم هو بعض المعلمين ؛ الذين ابتُلينا بهم وهم لم يُخلقوا للتعليم ، تسنّموا هذه المهنة الشريفة ، وهم ليسوا من أهلها ، ولا أحقّ بها ؛ فما رعوها حقّ رعايتها ، عدمهم خير من وجودهم ، وضررهم أكبر من نفعهم . ومَنْ مَنَّ الله تعالى عليه بدخول الميدان التربوي أدرك هذه الحقيقة المرّة على أرض الواقع ، واستفت من حولكَ من الأبناء والطلبة ؛ لم تكرهون المدرسة ؟ ستجد الإجابة العميقة هي : سوء المعاملة التي يجدها الطالب من بعض المعلمين ، والشدّة التي لا مبرّر لها ، أين هؤلاء من نهج خير مربٍّ ؛ وأفضل معلم صلى الله عليه وسلم ” إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلا زانهُ ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ” .
وأنا هنا لا أنكر أنّ المتعلّم مجبولٌ على الخطل والزلل ؛ ولكنّي أقولُ : كلّما كبُـرَ المعلّم علمًا وحلمًا وثقة زاد تغاضيه عن هفَوَات طلابه .
فأوّل ما نبدأ به لتحبيب أبنائنا في مدارسهم ؛ هو التعامل الأبوي الحاني الذي يجب أن يلمسوه من معلميهم .
سيحبُّ الطالب مدرسته إذا ربطنا نجاحَهُ الدنيويّ بآخرته ، وإذا عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنّ طلب العلم سبيل إلى دخول الجنة . سيحبُّ الطالب مدرسته إذا أحبَّهُ معلّمه ، وأشعره بحرصهِ على مصلحته ؛ عندها سيشتاقُ إليه . سيحبُّ الطالب مدرسته إذا أحسَّ بكيانه فيها ، وتمثيله لها ، ومشاركته بآرائه فيها . سيحبُّ الطالب مدرسته عندما نفعّل النشاط المدرسي بشكل أوسع وأفضل . سيحبُّ الطالب مدرسته حينما نوجد له أشياء أخرى توازي ما يجده من متعة في حصة التربية البدنية . سيحبُّ الطالب الموهوب مدرسته متى ما وجد بيئة جاذبة تقدّر موهبته وتنمّيها ، وتضعها في سياق التحدي لا الإهمال . سيحبُّ الطالب مدرسته عندما تكون بيئة آمنة ، لا غابة يأكلُ قويها ضعيفَها ؛ غابة يكون ضعيف الشخصية فيها حملًا وديعًا ، وهل ترحمُ الحمل المستضام ** ذئاب الفلا أوأسود الشرى ؟ !
ومهما يكن من أمرٍ فهذه المقترحات وغيرها كالمكياج متى ما وضِعَ على وجهٍ قبيحٍ ضاع ! كما ضاع درٌّ على خالصة !! ( 2 ) فحجر الزاوية في محبة الطالب مدرسته يكمن في المقام الأول لعلاقة أبوية حانية يجبُ أن تظهر في تعامل المعلم مع طالبه .
ومن أمعن النظر في حال مدارسنا علِمَ أنّ هذا غيضٌ من فيضٍ ، ولكنّها نفثة مكلومٍ شفَّهُ الألم ، فعسى أن لا تكون حبرًا على ورق .
وأختمُ بما ذكره محمد المترك في كتابه دور المعلمين : ” نشرت الصحف خبر مديرة مدرسة قدمت استقالتها ، وسبب الاستقالة هو : هروب أحد الطلاب من المدرسة . فقدمت الاستقالة معللة ذلك بأن الطالب كره المدرسة ولم تعد المكان المحبب والمناسب له ، وأن المدرسة أصبحت سيئة في نظره ، وهذا راجع إلى تقصيرها ! ” ثم تساءل : ” لو استشعر المديرون والمعلمون هذا الشعور ( الغريب والشاذ في نظرهم ) ، كم سيبقى من مدير ومعلم في مدرسته في العالم الإسلامي ؟! ”

عون عون السلولي

………………………………………………………………………………….
( 1 ) المقامة النحوية 3 / 177 ، الفعل الأول من ( الهُيام ) دخلت عليه الفاء ، والفعل الثاني من ( الفَهم )
( 2 ) عجز بيتٍ لأبي نوّاس يهجو به خالصة جارية الرشيد ؛ وصدره : لقد ضاع شعري على بابكم .

تعليقك


  • المشاهدات : 912
  • التعليقات : 0
  • الإرسالات : 0
  • أضف إلى مفضلتك
  • عون السلولي
    عون السلولي