الرئيسية » المقالات

الدم الأخضر

يدبُّ في عروق الأرض ، فيكسو سطحها بشراً و نضارة ، و بدونه ميتةٌ غبراء ، و فيافي جرداء ، لا حياة فيها و لا ماء … إنه الدم الأخضر ، دم الحياة الأرضية ، و به افترقت الأرض عن سائر كواكب المجموعة الشمسية ؛ فكان دليل حياتها و ملاءمتها للسكنى من مختلف الكائنات الأرضية ، تنتشر الحياة بانتشاره و تندثر باندثاره .
و كان الوادي غير ذي زرع الذي كلّف الله نبيه إبراهيم – عليه السلام – بأن يترك ابنه و زوجه به محكاً مؤلماً يزلزل مشاعر الأبوة بل الإنسانية كلها ؛ إذ هو تأشيرة الهلاك و مغادرة الحياة !! لكنها كانت من إبراهيم – عليه السلام – طاعة المخلوق للخالق فيما أمر دون أي تردد ، ثم لتكون بعد ذلك معجزةً يتفيأ البشر ظلالها إلى يومنا هذا .. إذ ظهر ماء زمزم و بدأ يضخ في الوادي الحياة بالدم الأخضر ، يرزقون فيه من كل الثمرات .
و قد أوصانا ديننا الحنيف بالزراعة ، و عظّم أجر من قام عليها ، و ليس آكد على ذلك حين علمنا عن الحبيب صلى الله عليه و سلم أنه إذا قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة فليزرعها ، نعم إنها علامة الحياة و حب الخير و عمل الصالحات ، و نفع الخلق و المخلوقات .
و الرقعة الخضراء مصدر أول للغذاء المباشر و غير المباشر عن طريق اللحوم التي إنما نبتت عليه ، كما يتولد منها الهواء النقي ( الأكسجين ) الذي تبعثه في الأجواء ، أضف إلى الزينة و الجمال و طيّب الظلال ، بل إنها حتى مع جفافها و حطامها تظلُّ نافعة بالحطب و النار و الدفء و النور .. فسبحان الخالق .
و الإنسان ابن الأرض ، منها خُلق و إليها يعود ، لا ترتاح نفسه و لا يبث همومه ، و ينشرح صدره إلا إذا احتضنته الأرض الخضراء ، فتعالج الحالات النفسية المختلفة ، و يتجدد النشاط لأن الأرض الخضراء إكسير الحياة . و لا عجب إذ تلجأ كثير من المؤسسات و المنظمات و الشركات إلى وضع شجيرات و بيئات زراعية في مبانيها و ممرات العاملين و المراجعين ، و تجعل ذلك معياراً من معايير جودتها و تميزها في بيئة العمل ، لأنها تكسبها حياة و نشاطاً ، حتى و إن كانت مجسّمات و ليست حقيقية ..
و إن أنفسنا لتتوق إلى ما وعد ربنا في جنات عدن من أشجار و نخيل و رياحين ، مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر .. بلغناها الله و إياكم .

كتبته /
المشرفة : بناء عايض الغامدي

تعليقك


  • المشاهدات : 3599
  • التعليقات : 0
  • الإرسالات : 0
  • أضف إلى مفضلتك
  • بنـّاء الغامدي
    بنـّاء الغامدي