الرئيسية » المقالات

ثقافة رجل الكهف !!

قبل أكثر من مائة عام ونيف وقف شيخ وقور ذو لحية بيضاء مستدقة على كثيب رملي يتفحص وجوه أبناء قبيلته, تتهادى خطواته وهو يتوكأ على عصاه يقوم تارة بوكز أحدهم في هذا الصف ناهرا إياه للذهاب لبيته وتارة أخرى سائلا آخر بضعة أسئلة ليستدل بها على عمره وأصله وحرفته, كان هذا الشيخ يسير الهوينا ماراً بصف من غلمان قبيلته تتدرج أعمارهم بين الأطفال والشبان متوقفاً عند كل وجه, وكل غلام في هذا الصف يتطاول بأصابع قدميه ماداً عنقه جاهدا علّ هذا الشيخ لا يقوم بوكزه بعصاه مستبعدا إياه من هذا الحشد ليتضاحك عليه بقية الغلمان لصغر سنه وعدم قدرته على مواجهة القوم.
كان الشيخ ذو النظرات الحادة يتأمل وجه كل شخص في هذا الصف بتجاعيد وجهه وحِدة نظراته آملا في رؤية بضعة شعيرات في كل وجه عله يعفيه عن وكزه لاستبعاده فلا ينقص من جيشه فردا قد يكون قادرا لمنع أذى قد يطول قبيلته.
بقدر علمي من هذا الشيخ ومن هذه القبيلة وأين هي إلا أنني أزعم أن هذا السيناريو قد مر تقريبا بكل قبيلة في جزيرة العرب في القرن الماضي قبل توحيدها.
كانت تلك الأيام أياما متناقضة في فعلها ونتائجها لدرجة أن الرحالة الإنجليزي ويلفيرد ثيسيجر الشهير بمبارك بن لندن في كتابه الشيق (فوق الرمال العربية) رغم حياده وعدم انتمائه لأي قبيلة إلا أنه أحتار في وصفها فقال فيها بضعة متناقضات:
“من خصائص البدوي في كل ما يأتيه من عمل فهو كريم جدا لحد التبذير, وهو حريص جدا غاية الحرص, وهو صبور جدا إلى درجة تثير غيره, وهو ثائر جدا لدرجة الهيستيريا, شجاع جدا إلى حد لا يصدق.. هياب دون سبب معروف!”
كل هذه المتلازمات المتناقضات مازلنا نحمل إرثها من أجدادنا، نسخر تارة من التفكك الذي عاشوه ونعود تارة لنتبنى ما فعلوه في لاوعينا! …ثم لا نلبث أن نحمد الله أن رزقنا الله بتوحيد هذا الشتات مما منّ علينا الله به متمثلا في الدولة السعودية حفظها الله ومع هذا لا إراديا نعود لهذه الجينات أو تعود لنا في حالات جمة!
منذ ذلك الحين حتى الآن شاهدنا عدة “تصويتات” و “انتخابات” و “اقتراحات” وقضايا في مجالات شتى كان هدفها هو صب خامات متميزة لخدمة (الوطن) وليس (القبيلة) أو الجماعة أو المصلحة ..ولكن السؤال الحقيقي هل فعلا مازالت جينات رجل الكهف تتحكم في مشاعرنا أم أن الصالح العام الذي دائما وأبدا سيصب في الصالح الخاص هو من يتحكم في مشاعرنا وقرارتنا؟
تلفت حولك وستجد عشرات القرارات التي اتخذتها في السنوات الماضية… ثم قرر هل اتخذتها بناء على صالح الوطن والصالح العام أم أنك اتخذتها حتى لا يتم وكزك بعصا شيخ القبيلة ليستبعدك من صف الحشد القبلي …وبعدها ستعرف هل أنت إنسان كهف أم أنك إنسان “سعودي”ّ!

 

مشاري بن علي الصعيري

1 تعليق

  1. 1
    ابو دنا | بتاريخ : 21 فبراير 2017

    السلام عليكم . موضوع جميل واشتقنا لمواضيع عنيد وكشف التسلل

    (4) (0)

تعليقك


  • المشاهدات : 4998
  • التعليقات : 1
  • الإرسالات : 1
  • أضف إلى مفضلتك
  • مشاري الصعيري
    مشاري الصعيري