الرئيسية » المقالات

النظرية الاجتماعية و البنيان المرصوص

تدور فلسفة النظرية الاجتماعية أو التعلم الاجتماعي حول أن الإنسان كائن اجتماعي يتعلم من البيئة التي تحيط به ، فهو في سلوكياته و تعاملاته و معارفه مرآة عاكسة للمحيط الذي يعيش فيه ، و الذي قد انتظمت و انسجمت فيه تلك السلوكيات و القيم و المبادئ بشكل تكاملي و نسق موحد حتى أصبح كالبنيان المرصوص ، و عليه كثيرا ما نسمع بين ردهات علم النفس أن الإنسان ابن بيئته .
بمعنى أن الطفل ينشأ و هو يتعلم من المجتمع الذي يحيط به ، فيبدأ بالملاحظة لما يتعلمه بقصد أو بغير قصد ، ثم يخزن هذه الملاحظة في عقله لتكون طاقة خام ( ذخيرة ) يستعملها حين يمر بمواقف و خبرات مشابهة لما لاحظه .
و هكذا يستمر الفرد في تعلّمه من مجتمعه ! إلا أن السلوك أو النموذج الملاحظ يصبح أقل تأثيرا مع التقدم في السن و طول مكابدة الحياة إذ يخضع لفلاتر شخصية تسمى بالكفاءة الذاتية .
و بالوقوف على صلاة الجماعة في المسجد و أبعادها النفسية و السلوكية و الفلسفية نجد ملامح النظرية الاجتماعية أو كما تسمى نظرية التعلّم بالملاحظة تتجلى في أبهى صورها مما يزيدك إيمانا و يقينا و فخرا و اعتزازا بدينك ، مردفا إياه بالشكر الدائم لله على نعمة الإسلام .
فالطفل الذي يصطحبه و الده إلى الصلاة في المسجد ، فتبدأ ملاحظته لما يقوم به والده و جماعة المسجد ، ثم تتخزن هذه الملاحظات الإيجابية في قلبٍ أبيض على الفطرة بحبه و تعلقه بهذا السلوك ، و عقلٍ بدأ ببناء معارفه الدينية و سلوكه و قيمه .
ثم تكون مرحلة التقليد أو ( الإنتاج ) فيبدأ بالمحاكاة و النمذجة ، و هذا لا يقتصر فقط على أداء الفريضة ؛ بل و ما يلازم ذلك من سلوكيات و قيم و اتجاهات كلها إيجابية بوصف الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر كما صلّاها النبي صلى الله عليه و سلم .
لقد أسس باندورا نظريته في التعلّم الاجتماعي على أساس استصلاح السلوكيات السيئة ، أما صلاة الجماعة من وجهة تنظير اجتماعية فهي لاكتساب السلوكيات الحسنة و الرقي بها ، و تعديل ما كان دون ذلك .
فتظل بذلك نظرية التعلم الاجتماعي ملازمة المسلم في أثناء تأدية صلاته مع جماعة المسجد ، إذ تحد و تكف عن السلوكيات الغير مرغوبة ، و تنبي اتجاهاتٍ و قيماً إيجابية بديلية ؛ أي لا تستدعي مرور الفرد بالخبرة مباشرة بل بملاحظة سلوك الآخرين من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعين .
و بناء على ذلك فقد رأينا من يستعجل في صلاته يضبط نفسه و يعدل سلوكه و يروض طبعه بما يتماشى مع الجماعة ، و رأينا الإمام في الصلاة يحترمه المأمومون و ينقادون له بالطاعة ، و رأينا المبكّر إلى صلاته نموذجا يستحق الملاحظة بما وصل إليه من تعزيز إيجابي تمثّل في رضا و احترام المصلين و الطمأنينة و الإنجاز و الصفوف المتقدمة في الجماعة ، كما رأينا المتأخر في صلاته نموذجا لا يقتدى به لما وصل إليه من تعزيز سلبي تمثل في نظرات العتب و عدم الرضا و الصفوف المتأخرة ، و يرى المسلم المصلي في المسجد النماذج الحية الإيجابية التي تؤدي السنن الرواتب فيتحفّز لما يصلح روحه و يجبر تقصيره و يحميه من كيد الشيطان و ضلاله ، و يرى المواظب على أذكاره سواء عند دخول المسجد أو عند الخروج منه أو بعد الوضوء أو بعد الصلاة و ما يكون له من تعزيز إيجابي يتمثل في النور الذي بين عينيه و السعادة التي يحملها بين جنبيه و هدوءه و استقرار نفسه ، و يرى المساواة في صفوف المصلين باختلاف أشكالهم و جنسياتهم ؛ فلا عنصرية و نسب و لا جاه و لا سلطان ، إذ أكرمهم عند الله أتقاهم .
و غيره الكثير و الكثير مما يتعلمه المسلم بمجرد ذوبانه في مجتمع المصلين بالمسجد ، و عليه فلا غرابة حين أوجبها الله تعالى على الرجال و وصف تاركها دون عذر بأنه منافق . يقول الله تعالى : ( و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اركعوا مع الراكعين ) و في الصحيحين يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ) .
نعم .. إنها صلاة الجماعة في المسجد ، نموذج المجتمع المسلم الكبير الذي يدين بالقيادة لولاة أمره ، و يحترم قراراتهم و قيادتهم ، و يتعهد بعضهم صلاح بعض ليكونوا بحق كالبنيات المرصوص يشد بعضه بعضا .

كتبته :
بناء عايض الغامدي
1/2/1440هـ

تعليقك


  • المشاهدات : 202
  • التعليقات : 0
  • الإرسالات : 0
  • أضف إلى مفضلتك
  • بنـّاء الغامدي
    بنـّاء الغامدي