الرئيسية » المقالات

عذراً أيتها الضاد

إن واقعنا اللغوي المرير- الذي نعيشه- ينبؤنا بخطرٍ قادمٍ لا محالة, خطرٍ لا نستطيع الصمود أمامه كثيراً, كما لا نملك بعده إلا أن نكفكف دموع الحسرة والندم حتى نغرق ثيابنا على ما آلت إليه أحوالنا المتخمة بالكثير من الأغلاط, فمن لديهم المعرفة والمعطيات لخوض هذه الحرب الضروس، فليشدوا رحالهم إلى حيث حطت، ويشهروا أسلحتهم الفتاكة مطالبين بالثأر ممن ذبح اللغة العربية، وخلط بين الألف والهمزةِ لكي يطوّعَ كل لسان عاصٍ ويضرب بسياط الكلمة الطيبة والقول الحسن.
فمن يمعن النظر لما آل إليه حالُ اللغة العربية في هذا العصر يجدهُ حالاً متردياً ومزرياً, حيث تُنتهك حرمتها أمام مرأى ومسمع الجميع , ورغم ذلك نزعم أننا محافظون على لغة القرآن ونفخر بها, في حين أن الكثير منّا يتساءل عن الفرق بين (الضاد والظاء)!!! وأخطاء في كتابة الهمزات وتبديل الحروف, بل وصل بهم الحال إلى مستوى كتابة كلمات كاملة بشكل غير صحيح أو مؤذٍ أحياناً، ومن قبل أشخاص وصل تعليمهم إلى مراحل متقدمة.
ولقد ساهمت التقنية وبشكل كبير في نمو هذه المعضلة وسرعة انتشارها، وذلك ابتداءً من مواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمنتديات الإلكترونية التي تطرق باب الخبر وتطبق في وجه اللغة الفصيحة كل باب, وانتهاءً بخطبة الإمام في يوم الجمعة التي ينصب فيها ماحقه الرفع تارة, ويرفع المضاف إليه أو المفعول تارة أخرى.
ومما لاشك فيه أن أخطاء هؤلاء الذين هم في واجهة المجتمع- مثل بقية الفئات الأخرى- ينبغي أن تواجه بصورة أكبر من أخطاء غيرهم؛ إذ أن أصحاب هذه الفئة- التي وضعت نفسها في مقدمة النقد- أبلغ ضرراً وأوقع ألماً على اللغة العربية, لذلك ينبغي منهم الإجادة وأن يعالجوا ضعفهم ويعملوا جاهدين من أجل ترقية مهاراتهم الإملائية, لكي لا يكونوا محل نقد وسخرية من قِبل الجمهور, فإن أصروا على السير في طرق الغواية, صنعوا للأمة جيل فاسد اللسان, قليل البيان, بينه وبين لغته الأم مسيرة سبعين سنة.
وهنا لا أزعم أن الإنسان معصوم من الخطأ, ولكن آمنت بأن الخطأ في اللغة لمن أتقنها وجاهد نفسه على إتقانها لا يكاد يُذكر, وإنَّي لأجد في نفسي حسرة على المقصّر في إتقان المهارات التي هي آلة فنه وأدبه, وأجد وصفه في بيت للمتنبي يقول فيه: “وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً, كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ”، فالإملاء هو علم آلة وهو المعبّر عن اللفظ، فإذا أجاده صاحبه استطاع أن يوصل للقارئ والمستمع ما يريده بدقةٍ.
وأكاد أجزم على ضعف مستوى من يقبعون خلف أستار مواقع التواصل الاجتماعي, وضحالة ثقافتهم اللغوية وبعدهم عن اللغة العربية دراسةً أو عملاً، وكذلك فإنّ الكثير ممن يقرأ لهم لا يُعنى بالكتابة الصحيحة؛ بمعنى أنّه لا يضيره إن كان المكتوب متوافقاً مع قواعد اللغة أم لا ومع استمرار الناس في الخطأ وتناقله, فإنّ الأجيال تتوارث الأخطاء في كتابة بعض الكلمات دون تصويبها, فيصبح الخطأ بالتقادم صواباً عندهم.
ومن الأسباب أيضاً ضعف مخرجات التعليم العام والجامعي بحيث أصبحنا في دائرة متوالية من إنتاج الفشل والتردي والإخفاق, لأنّ الجامعة تخرج معلماً ضعيفاً في قواعد اللغة العربية، فينقل ضعفه لطلاب المراحل العامة من التعليم, وهكذا تدور الدائرة، فمن يُنتظرُ منه العلاج (أي المعلم) أصبح بحاجة إلى العلاج والأدهى والأمر هو أنه لا يرى نفسه محتاجاً إلى العلاج، ومثله يتربع أعلى الهرم من حيث الخطورة.
ومما لا شك فيه أنَّ بزوغ التقنية بوسائلها المختلفة جعل من السهل نشر الإنتاج الأدبي على نطاق واسع، فخرجت أقلام رائعة، بيد أن بعضها يحتاج إلى تقويم في بعض المهارات خاصة إذا علمنا أن الإملاء يشوه المعنى ويحرّفه، وعادةً ما تقاس ثقافة الكاتب بمستوى إتقانه الإملاء، وللأمانة أقولُ قلما تجد خطأ نحوياً أو إملائياً في الصحف الورقية، وهذا يدل على علو كعب مسؤوليها واستقطابهم للمختصين في اللغة العربية فمسؤولوها حريصون كل الحرص على تميز صحفهم واهتمامهم بها؛ كي تكون متنفسا لقرائها.
والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فتطوير الذات بمثابة النهر الجاري إذا توقف عن الجريان كثرت فيه الأوبئة, فتطويرك لذاتك يصنع ثقتك ويجعلك فعالاً قادراً على تحمل المسؤوليات، وحل المشكلات بعقلية متزنة تصنع لك وزناً اجتماعياً ثابتاً.

عبدالرحمن السلولي / النقيع

7 تعليق

  1. 1
    مسفر | بتاريخ : 26 أكتوبر 2014

    لافض فوك أبا محمد

    (5) (0)
  2. 2
    فيصل الجبوري | بتاريخ : 26 أكتوبر 2014

    للأسف! الأخطاء الإملائية وسوء الخط يعاني منه نسبة كبيرة من المتعلمين

    (3) (0)
  3. 3
    محمد الزين | بتاريخ : 26 أكتوبر 2014

    جزاك الله خيرا على غيرتك تجاه لغة القرآن الكريم
    لكن أحب أن أبين لك خطأ في هذه المقالة الرائعة.
    الخطأ في ( جيل ) و الصواب ( جيلا )
    في الجملة ( صنعوا للأمة جيل )

    (1) (0)
  4. 4
    عامر الصعيري | بتاريخ : 31 أكتوبر 2014

    كلام رائع كروعة صاحبه

    .
    سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله الحي القيوم .

    (2) (0)
  5. 5
    بوعزوز | بتاريخ : 17 نوفمبر 2014

    سلمت أناملك ياأبا محمد ولافضفوك

    (2) (0)
  6. 6
    حمد ناصر السبيعي | بتاريخ : 13 ديسمبر 2014

    أسلوب رائع مشووق وانتقاآء جميل للكلمات التي في الصميم .. وإلى مزيد من التقدم

    (1) (0)
  7. 7
    محمد السلولي | بتاريخ : 09 مايو 2018

    إستمر د/ عبدالرحمن فمن هم مثلك يستحقون أرقى المناصب
    فخراً للتربيه والتعليم

    (0) (0)

تعليقك


  • المشاهدات : 2920
  • التعليقات : 7
  • الإرسالات : 7
  • أضف إلى مفضلتك
  • عبدالرحمن السلولي
    عبدالرحمن السلولي